نظرة إلى واقع تعليم الرياضيات
نرى اليوم أن تعليم الرياضيات يواجه تدنياً وعزوفاً وقصوراً بشكل واضح وملفت للنظر. وقد تكون الأسباب عديدة ، وليس الهدف هنا التحقيق في جميع الأسباب ومعالجتها، ولكن من بين الأسباب: ما لم يشعر المتعلم بحاجة واقعية لما يتعلم، وما لم تدرس المادة بشكل أصيل وفي سياقات واقعية، وما لم يستطع الطالب رؤية الرياضيات داخل النسيج العلمي الحياتي الذي يصنع رداء الحياة، ما لم يرها شعراً و قصة، مشكلة حياتية واقعية ويدمج المسائل ضمن نماذج هادفة ليرى تطبيقاتها في الفيزياء والكيمياء والتاريخ ... ، ما لم يبنِ جسوراً تصله من جزيرة إلى أخرى، بسلاسة وعفوية... لن تكون الرياضيات مفيدة، سهلة، وذات معنى وقيمة... إلا للفئة الموهوبة التي تعشقها كرياضة للذهن، وتشغف حل الطلاسم والرموز والمعادلات والأنماط، وتتذوق المعالجات الرياضية والنظريات والتعميمات والقوانين كلعبة للفكر وتنشيط للذهن، وهذه الفئة ما هي إلا قلة قليلة من الطلاب.
ولنمعن النظر في الطفل الذي يتعلم صياغة الذهب، أو العمل في الألمنيوم، البيع والشراء، الصرافة، النجارة،... وما إلى ذلك، نجد انه يتعرض إلى رياضيات كثيرة دون أن يدري، و يتجاوب معها ويستوعبها ويتعامل بها، ويتجرع معها جرعات من الحياة ومهارات اجتماعية، ومعارف علمية أخرى بصورة تلقائية وسلسة. ولو أن ما تعلمه من معارف قد صيغت في دروس كيمياء، ورياضيات، وفيزياء... وغير ذلك، لما اكتسبها ذلك الطفل. المقصود هو أن النقل من السياقات الحياتية للصف والمدرسة، أسهل بكثير من نقل ما نتعلمه في المدرسة إلى الحياة.
ولا نريد ترجمة كل معرفة أو نظرية أو تعميم إلى نموذج حياتي أو علمي، أو نربطه مع الحياة والواقع ولكن يكون الوضع أقل وطأة عندما نستثمر كل موقف يربط الرياضيات بغيره من العلوم، أو بالحياة العملية الواقعية، ونستعمل سياقات حياتية واقعية تستثير اهتمامات الطالب .